محمد بن جرير الطبري

150

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فقال : " تخلفوا " ، وجعل " من " بمنزلة " الذين " ، وقال الفرزدق : تعال فإن عاهدتني لا تخونني . . . نكن مثل من يا ذئب يصطحبان ( 1 ) فثنى " يصطحبان " لمعنى " من " . فكذلك قوله : ( من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ) ، وحد " آمن وعمل صالحا " للفظ " من " ، وجمع ذكرهم في قوله : ( فلهم أجرهم ) ، لمعناه ، لأنه في معنى جمع . * * * وأما قوله : { وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) } فإنه يعني به جل ذكره : ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها ، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده . * * * * ذكر من قال عُني بقوله : ( من آمن بالله ) ، مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : 1112 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) الآية ، قال : نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي . وكان سلمان من جُنْدَيسابور ، وكان من أشرافهم ، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخيا ، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه ، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا . فبينما هما في الصيد ، إذ رفع لهما بيت من عباء ، ( 2 ) فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه

--> ( 1 ) ديوانه : 870 ، وسيبويه 1 : 404 ، والكامل 1 : 216 ، وطبقات فحول الشعراء : 310 ، والأضداد : 288 ، وأمالي ابن الشجري 2 : 311 . ورواية ديوانه " تعش فإن واثقتني " . وهو بيت من قصيدته الجيدة التي قالها حين نزل به ذئب فأضافه . ( 2 ) رفع له الشيء ( بالبناء للمجهول ) : أبصره من بعد . وفي المطبوعة : " بيت من خباء " والخباء بيت من وبر أو صوف . فهو كلام لا معنى له . وفي الدر المنثور 1 : 73 وروى الخبر بطوله : " من عباءة " . والصواب ما أثبته . والعباء ضرب من الأكسية فيه خطوط سود كبار ، وهو هنا مفرد ، وجمعه أعبية . والعباء أيضًا جمع عباءة .